ابن كثير
103
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قدير وقال ابن جرير « 1 » : إنما وصف اللّه تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير . ومعنى قدير : قادر ، كما أن معنى عليم : عالم . وذهب ابن جرير ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون « أو » ، في قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ بمعنى الواو كقوله تعالى وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] أو تكون للتخيير أي اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا ، قاله القرطبي « 2 » . أو للتساوي مثل : جالس الحسن أو ابن سيرين ، على ما وجهه الزمخشري أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه ويكون معناه على قوله : سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم ( قلت ) وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها اللّه تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومنهم « 3 » - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال ، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم ، واللّه أعلم ، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ إلى أن قال أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ الآية : فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب ، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين ، واللّه أعلم بالصواب . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 21 إلى 22 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشا ، أي مهدا كالفراش مقررة « 4 » موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات ، والسماء بناء ، وهو السقف ، كما قال في الآية الأخرى وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ [ الأنبياء : 32 ] وأنزل لهم من السماء ماء والمراد به السحاب هاهنا في وقته عند احتياجهم إليه ، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد رزقا لهم ولأنعامهم كما قرر هذا في غير موضع من القرآن . ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى :
--> ( 1 ) الطبري 1 / 195 . ( 2 ) تفسير القرطبي 1 / 215 . ( 3 ) سورة التوبة ( براءة ) ، الآيات : 49 ، 58 ، 61 ، 75 ، 76 ، 97 . ( 4 ) مقرّرة : مسوّاة مدحوّة . ومنه قوله تعالى : جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً .